البغدادي
46
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وقال المرزوقي : يقول : وكما ظهر غنائي في تلك الأبواب ، فلقد سعيت في إصلاح ذات البين من العشيرة ، وكفيت من جنى منها الجناية الصغيرة والكبيرة ، بالمال والنفس ، والجاه والعزّ . وقوله : « جانيها » إن فتحت الياء كان واحدا ، وإن أدّى معنى الجمع . وإن سكّنت الياء جاز أن يكون جمعا سالما ، وأن يكون واحدا حذف فتحتها « 1 » . وقال ابن جنّي : « بينها » متعلّق بنفس الثّأى ، أي : أصلحت الفساد بينها . والهاء في جانيها ضمير العشيرة ، أي : كفيت جاني العشيرة الداهية التي جناها على نفسه . ولا يجوز أن يكون « ها » ضمير اللتيا ، أي : جاني الداهية ، وذلك أنّ الجاني هو المفعول الأوّل وهو مقدّم في موضعه . فلا يجوز أن يتعلّق به ضمير المفعول الثاني ؛ لأنه إنّما يتقدّم ضمير الشيء عليه إذا كان رتبته أن يكون بعده ، فأمّا أن يتقدم ضمير الشيء عليه متعلقا بما رتبته التقديم على صاحب الضمير فذلك تقديم الضمير على مظهره لفظا ومعنى ، وهذا عندنا غير جائز البتّة ، وإنّما المتجوّز من ذلك أن يتقدّم الضمير على مظهره لفظا على أن يكون متأخّرا عنه معنى . فأمّا تقدّمه عليه لفظا ومعنى فلا . ألا ترى : لا تقول ضرب غلامها هندا . ولكن تقول : ضربت غلامها هند . فكذلك لا يكون « ها » من جانيها ضميرا للتيا . كما لا تجيز أعطيت مالكه درهما ولا كسوت صاحبها جبة ، ولكن تقول : أعطيت درهمه زيدا ، وكسوت ثوبه عمرا . وقد يجوز مع هذا كلّه أن تكون « ها » من « جانيها » ضميرا للّتيّا على حدّ ما يجيزه من : أعطي الدرهم زيدا ، وأدخل القبر عمرا على القلب . وعلى هذا أجازوا : مررت بالمكسوّته جبة ، ولقيت المعطاة درهم . فكأنّ للتيا والتي على هذا هي المكفيّة جانيها ، كما أنّ الجبّة هي المسكوّة زيدا فهو على قولك : كفيت اللتيا جانيها . فاعرفه . انتهى ، ولنفاسته سقناه برمّته .
--> ( 1 ) في شرح الحماسة للمرزوقي : " قد حذفت فتحتها " .